العين بالعين؟

"عقوبة الإعدام غير عادلة لأنها تستبيح حق الإنسان في حياته"، "ولازلنا نعيش في ثقافة تؤطر للعنف وتصر عليه.

وهو تأطير يتجاوز الدولة المستبدة وثقافتها، إلى رؤية دينية توحشت وتعتبر أن القتل "جهاداً".

 

ـــــ 

"العين بالعين، والسن بالسن".

"والنفس بالنفس".

مبدأ تشربنا به منذ نعومة أظافرنا.

رضعناه مع حليب أمهاتنا.

 

تُفقع العين بالعين المفقوعة، وُتكسر السن بالسن المكسورة.

وتقطع الأنف بالأنف المقطوعة، وتُصلم الأذن بالأذن المصلومة. 

ثم تُؤخذ الحياة بالحياة المهدورة.

والقاتل يُقتل.

مبدأ بسيط عملت به البشرية منذ آلاف السنين.

 

قيل لنا إن هذا المبدأ يُؤسس للقصاص عادل، يُظهرُ قوةً في ردة الفعل، ويضع الأساس لمجتمع قوي مستقيم خال من الجرائم.

قيل لنا أيضا أن هذا المبدأ جزء من تراث ديني لا جدال فيه.

وإن من يجادل فيه يخوض في أمور دينيةٍ محسومة.

 

وأنا استميحكما، عزيزتي القارئة عزيزي القارئ،  في الجدال والتفكير.

استميحكما في الإختلاف.

 

المبدأ لم يبتكره دين معين.

بل عملت به البشرية في بداياتها، ثم أسست لها قوانين حمورابي في الدولة البابلية بداية من عام  1754 قبل الميلاد.  

أخذت به الديانة اليهودية ومعها الديانة الإسلامية.

واختلفت معهما ديانات اخرى في الرؤية لا التطبيق.

إلى أن بدأت مراجعة هذه التراث في القرن الماضي من قبل رؤية إنسانية حقوقية تعتبر أن للإنسان حقاً اصيلاً في الحياة.

 

بكلمات اخرى، الدين الإسلامي لم يبتكر العقوبات التي وردت فيه. بل ورثها عن البشرية في تطبيقاتها القائمة في المرحلة التاريخية التي خرج فيها.

وفي كل الأحوال، حتى لو كانت هذه العقوبات جزءا اصيلا من الرؤية الدينية، فقد حان الوقت لمراجعتها وإنهاء العمل بها، لأنها ببساطة غير عادلة.

وعدا عن عدم نجاعتها، وتسببها في عاهات بشرية تصبح عالة على المجتمع، فإن تطبيق مبدأ قتل النفس بالنفس، أي عقوبة الإعدام، لا يؤسس لمجتمع عادل، بل مجتمع هرمي، يتحكم فيه القوي، ولا يحترم حياة الإنسان ولا كرامته.  

 

"عقوبة 'تشرعن' فعلاً عنيفاً على يدي الدولة لا يمكن الرجوع عنه"، على حد تعبير منظمة العفو الدولية. والدولة غالباً ما تطبق هذه العقوبة بشكل "ينطوي على تمييز و تستخدمها بصورة غير متناسبة ضد الفقراء والأقليات وأفراد الجماعات العرقية والدينية".

الضعيف عادة يتم تطبيق عقوبة الإعدام عليه.

الضعيف ومن لا حيلة له.

عقوبة غير عادلة لأنها لاتؤمن بإمكانية تأهيل الإنسان. تماما كما انها تستبيح حق الإنسان في حياته. حقٌ اصيل ولُد به.

 

أكثر من  ثلثي دول العالم ألغت عقوبة الإعدام في القانون أو في الممارسة.

لكن منطقتنا،  الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تعرف أعلى معدلات عالمية للإعدام بالنسبة لكل شخص، وعلى رأسها  إيران، المملكة العربية السعودية، العراق واليمن.

لازلنا نعيش في ثقافة تؤطر للعنف وتصر عليه.

وهو تأطير يتجاوز الدولة المستبدة وثقافتها، إلى رؤية دينية توحشت وتعتبر أن القتل "جهاداً".

قتل المارة في شوارع تل ابيب والقدس نعتبره "جهادا مشروعاً".

نصفق له ونطبل.

بدلاً من أن نتخذ موقفاً إنسانياً يدين هذه الأفعال.

والمشكلة ان من يدينها ويعتبرها عنفاً غير مقبول يوصم بالعمالة.

نقول إن عنف الدولة الإسرائيلية يستوجب رداً عليه، ثم نؤطر لهذا برؤية دينية "جهادية".

لا ترى في الإسرائيلي والإسرائيلية إنساناً، بل هدفاً يمكن قتله.

وانا ارى الانسان فيهما.

وأصر أن  العنف لن يؤدي إلى السلام ولن يمنح الفلسطينيين والفلسطينيات حقوقهم/ن المهدورة.

وهي حقوق يتوجب علينا الدفاع عنها.

فثقافة اللاعنف لا تعني أن يصمت الإنسان عن حقوقه المشروعة أو يكف عن المطالبة بها. 

لكن الفعل دائماً يجب أن يكون سلمياً، متشربا بثقافة اللاعنف، تحترم حق الإنسان في الحياة.

 لأنها تجعلنا نرى الإنسان في أعدائنا، لا وحشاً أو شيئا يمكن قتله.

 

معظم الشخصيات الحقوقية التي ألهمتنا في التاريخ الحديث هي شخصيات أصرت على ثقافة اللاعنف واحترام حق الإنسان في الحياة حتى ولو كان عدوا لها. وكلها حققت مطالب شعوبها وافرادها.

غاندي كان احد هذه الشخصيات.

مارتين لوثر كينج كان احد هذه الشخصيات.

ونيلسون مانديلا تحول إلى هذه الشخصية عندما تراجع عن العنف المسلح الذي دعمه لفترة، وأصر على أن الأسلوب السلمي واحترام حق الإنسان في الحياة هو السبيل لتحقيق السلام في وطنه.

 

ليس ترفاً الدفاع عن هذا الحق ـ حق الإنسان في الحياة.

وليس ضعفاً.

بل قوة تعبر عن ايمان بالخير والنور الذي في الإنسان.

 تمهد السبيل لأي سلام مستديم، وتضع اللبنة الأولى لبناء مجتمعات سلمية تحترم الإنسان وكرامته.

 

د. إلهام مانع

MENA Rights Cable نشر هذا المقال ضمن إطار سلسلة الحق في الحياة في موقع 

 https://rightscable.com/2017/01/10/العين-بالعين؟/

مواجهة مع شهريار


وددتُ يا سيدي لو فكرتَ مرّة.
لو استخدمت خلايا عقلك كما أراد الخالِقُ لها أن ُتستخدم...أعني في التفكير. 
لو كففت عن الهروب إلى الخلف والتعلّق بحبال الماضي… والخوف.
لو تعاملت مع الحياة على أنها رهنُ إرادتك. 
وأدركت أن مصيرَك بيدك أنت. 
أنت الذي تخلقه وأنت الذي تُميته. 

لو نظرت إلى الواقع كما هو، 
ببشاعته...وجماله، 
بفقره... وإمكاناته.

ونظرت إلى نفسك كما هي، 
بلا تضخيم أو تهويل، 
كما أنت. 

لأنك يا عزيزي عندما تنظر إلى المرآة يُعجُبك ما تراه. 
وهذه مُصيبة.
وتتمعن في تقاطيع كينونتك وأنت مبتسم مبهور، 
وتقول لنفسك
"آه ما أعظَمني… ما أروعَني… وما أكثرَ الحاسدين".
وهذه كارثة. 
وتخاف من ظّلك وأنت مع من تسميهم "هم".
تنظر إليهم وتقول: "يريدون بنا الأفاعيل، يحقدون علينا، وطبعاً يريدون دمارَنا".
وهذه داهية. 

وددت يا سيدي لو إستمعتَ إليَّ لوهلة، 
وكففت عن التشكيك في نّياتي، 
وتعاملتَ مع كلماتي بموضوعيّة.
لأنك حذفت من قاموسك تلك الكلمة "موضوعية"، 
ومعها أخواتها من "عقلانية" و"نقدية" و"منطقية".
وأصبحت تحيا بمنطق اللاموضوعية، واللامنطقية، واللاعقلانية. 
وفقدتَ معهن مَلَكة الشك. 
ياحسرة العقل. 

قررت أن لا تفكر. 
ولم أعرف سواك أتخذَ قراراً عامداً متعمداً بعدم التفكير، 
ولم أعرف غيرَك هوى بسيفه على عقله ثم حفر قبراً له بيديه الاثنتين.
اكتفيت بالمؤامرة… كحلٌّ مريحٍ بسيطِ جميل.
آه ما أجملَ الأجوبة السهلة. 
ما أرطب وقعَها على النفس. 
مريحةٌ إلى حدِّ الموت. 
مخدرةُ كالأفيون. 
لاتزُعجُ ولاتُقلقُ ولاتثيرُ الحواسَّ والمدارك. 

كأنك لم تكن. 
كأنك غيرُ موجود. 
كأنك غيرُ مسؤول. 
كأنك بلا إرادة. 
بلا ذاتٍ ولا مقدرة. 
قشةُ أو فتلة أو حتى بعوضة… بل لا شيء. 
هكذا تصوّرُ لي نفسك كّلما تحدثت عن المؤامرة. 
هكذا تقول لي عندما تتحدث عن "حقدهم". 
وأنت الذي تحقد، 
وأنت الذي تغار، 
وأنت الذي تموت غيظاً، 
وتدعو الله ليلَ نهار أن يُسوّيَهم بالأرض، 
تدعوه أن يدكَّهم دكاً، لكنّه لايستجيب. 

يا سيدي أنا منك وفيك، 
ولعلي خيطٌ يصل بينك وبينهم. 
جسرٌ،
أو حلقةُ وصل.
سمّني ما شئت.

غير أني منك،
من كيانك، 
من صميم حزنك
وماء دموعك. 

فلو كنتُ غيرَ ذاك لما قذقت الصورة تلو الُأخرى أصفعها على وجهك، 
لما بصقت اللهب كُتلاً من نار على صفحات نفسك، 
لما صرخت بأعلى صوتي أسُألكَ أن تستيقظ،

أنا لا أراهن على غيري. 
راهنت عليك، عساك تُصدّق. 
ولم أُرِدْ طعنك. 
بل طعنتُ جُرحك، 
هل رأيت الصديد وهو يخرج منه؟

كما أني لم أكذب. 
بالله عليك هل تجنيت فيما قصصته عليك؟
هل افتريت؟ 
ألم أرُسمْ لك من نسيجٍ أنت الذي غزلته؟
نسيجُ فصّلته أنتَ على مقاسِ أهوائك ورغباتك. 
وغرستَ فيه أشواكاً ودبابيس
وأرغمتني على ارتدائه كساءا
دمائي تسيل لكنك تبتسم كالمعتوه وتقول: "هاك حُرّيتك. سوف تصونك من الغريب".
رغم أنك تعرف أني أبحث عن حريةٍ تصونني منك أنت لا من الغريب. 

شهرزاد أنا يا سيدي، 
لكن حكاياتي لا تسعى إلى سُباتك،
أقصَّها عليك ياشهريار كي أقرع على أُذنك بدويِّ كالطّبول، 
فلاتنام. 

ثم أني لم ألعب على قناعتهم. 
فجُزءٌ كبيرٌ من صورتهم… موجودٌ فيك. 
وأنا وأنت أدْرى، 
فلا تكذب.ْ

كلُّ ما أردت قوله بسيط: "كلُّنا يا سيّدي في الخطيئة إنسان. 
وأنها هنا كما أنها هناك. 
لكنها لدينا أكبر، لأننا لا نريد أن نراها. 
وهي لدينا أعظم، لأن الخوف يُكمّم أفواهنا. 
وهي أفظع، لأن الصّمتَ لدينا دواؤها. 
وأننا يوم نُدرك ذلك سنواجه خطيئتنا… ونحيا. 
نحيا كما نريد، 
ونحيا بلا خطيئة".

أنا الصّدى يا سيدي، 
صدى أنينك وانينها، 
لكن صوتي جَبله حُبّي لك ورحمتي بك، 

وحُبّي لها كان أعظم، 
ورحمتي بها كانت أشد،
وهي بضعٌ مني،
وهي الأنين، 
وهي النزيف،
ولذا فإن قلبي يدقُّ بنبضاتها، 
وصدري يتنفّس بهوائها، 
وليَتني كنت فداءها. 

ثمَّ إني القربان، 
قدمته لك طوعاً،
وهبته لك اختياراً، 
فأمنُتّك بالله أن لا تجعله يضيعُ هباءً، 
أقسمت عليك أن لا تركُلَه بقدمك كما ركلت كلَّ مَنْ أحبَّك، 
بل تمعن في كلماتي، 
دقّق فيها، 
وفكّر، 
استخدم عقلَك هذه المرّة، 

ثمَّ أغتسل بها بعد ذلك سبعَ مرّات، 
وقل "أدركت" بعد كل غسله. 

وتيمّم بحبري،
عفر جسدك به سبعينَ مّرة، 
ثم قل "عَقِلتُ" بعد كلَّ عفره. 

ثم أرجع عن الخطيئة
عُد عنها، 
وقل "سأفكر" لتصبح طاهراً. 

وكن "عاقلاً" كي تكون إنساناً، 
وقُلْ "عَزمت" كي تصبح رجلاً، 
وقُلْ "آمنت بوجودي" كي تكون شيئاً، 
ثم قُلْ "سأعمل" كي تكون جديراً بالحياة!

قُلْ "سأكون"

"سأكون إنساناً لا يلبس حلة شهريار"،
"ولا يسلط عليها سيفَ مسرور، 
"سأكونُ
إنساناً....
تثق فيه إمرأتُه.
يعيش بلاجوارٍ، 
يعيش بلا مؤامرة، 
يحترم الماضي، 
وحاضره مريض، 
لكن له مستقبل". 

قُلْها كي أكون معك. 


د. إلهام مانع (من "صدى الأنين"، دار الساقي، بيروت 2005)

قال -أعياد كريسماس سعيدة- فطالبوا بقتله


"اقتلوه، فقد كفر".
علت الحناجر زاعقة. 
و فتاوى كالسيف إرتفعت تطالب بعنقه. 
كَفرَ الرجل. يصرون وهم نافرون. 
كفر شان تيسير. مثقف وناشط باكستاني.
وهو في الواقع لم يتوقع ردة فعلهم هذه.
يهدي معايدة محبة، فتلاحقه فتاوى كراهية.

لكنه من باكستان. بلد العجائب. فيها أصولية إسلامية متطرفة، تُفسر الإسلام كسيفٍ تنز منه دماءُ كل من لا يؤمن بدينها. 
وإسلامٌ سياسي حط على قلوب من يؤمن بالإنسان كالكابوس. 

وكانت رسالة صاحبنا رسالةَ محبة. 
وبالأحرى أراد من خلالها أن يعبر عن تضامنه مع شريحة من بني وبنات وطنه، باكستان. 
ضمنها في فيديو وضعه على قناة اليوتيوب في أعياد الكريسماس.  

قال فيها التالي: "اعياد كريسماس سعيدة". ثم أضاف: "في رسالة معايدة الكريسماس هذه، أطالب أبناء وطني أن يُصلون صلاة خاصة لكل من يعاني من التمييز الديني في باكستان".

ثم عطف في نهاية رسالته إلى التذكير بواقع إمرأة باكستانية مسيحية آسيا بيبي، التي تواجه حكم الإعدام بتهمة إساءتها للرسول الكريم. 

هذا هو نص رسالته.
لا أكثر ولا أقل. 
الشقُ الأول من عبارته جملةٌ نقولها لبعضنا البعض في أوقات الأعياد، لأننا بشر، نبتهج بأفراح وأعياد أهلنا (أبناء وبنات وطننا) ونشاركهم/ن فيها.
أما الجزء الأخير منها فتقُال مراراً عند التذكير بأوضاع الأقليات الدينية واللادينية في بلداننا ذات الأغلبية المسلمة. أوضاعٌ مزرية كما تعلمون/تعلمن. 

أيام قليلة مرت على وضع الفيديو على قناة اليوتيوب.
ثم عصفت ردود الفعل. 
بدأت بقضية إزدراء أديان رُفعت عليه في محكمة في لاهور. ثم أصدرت حركة "لبيك يا رسول الله" المتطرفة فتوى دينية تقول فيها إن صاحبنا شان تيسير "تجاوز كل حدود التجديف والإساءة إلى الله والرسول"، وتدعو لذلك إلى "إباحة دمه وقتله"!

هل كفر الرجل في رسالته؟ 
اسأل السؤال رغم إدراكي وإصراري على أن من حق الإنسان أن يؤمن بما يريد، وأن يكفر بالدين، وأن ينتقد الدين، فهذا جزء من حق الإنسان في حرية الدين والعقيدة والتعبير. حق طبيعي لا جدال فيه. 

رغم ذلك، فأني أنبه إلى غياب "الكفر" تحديداً من رسالته، كي أدلل على المغزى السياسي لكل ما يحدث. 
فالرجل لم يقل أنه يكفر بالإسلام. ولو فعل لكان ذلك حقه. 

كل ما فعله: أهدى رسالة معايدة إلى أبناء وبنات وطنه من المسيحيين، ثم نبه إلى واقع تمييز ديني بشع تعيش فيه الأقليات الدينية في باكستان، بما فيها الأقليات الدينية المسلمة الغير سنية، كالأقلية الأحمدية المسلمة على سبيل المثال.  

ردود الفعل الهائجة المتشنجة الغاضبة من قوى باكستان الدينية المتطرفة ليست زوبعة في فنجان. 
وشان تيسير أول من يعرف ذلك. 
فوالده هو سلمان تيسير، حاكم إقليم البنجاب الذي قتله حارسه في عام 2011 لأنه دعا إلى إلغاء قوانين التجديف وازدراء الأديان في باكستان.

والده كان سياسيا شجاعا، جازف بحياته دفاعا عن مفهوم المواطنة الكاملة في بلده، لأنه كان يعرف جيداً أن قوانين التجديف وازدراء الأديان تستهدف دوما الأقليات الدينية وكل من يُفكرُ وهو حر.  

شان تيسير يعرف أن المسألة ليست نكته. 
فعند محاكمة قاتل والده قامت مظاهرات صاخبة عارمة، دعماً للقاتل!
بل إن القاتل كان يُرمى بالزهور والورود في قاعة المحكمة. 
وباكستان نفسها أعلنت حالة تأهب قصوى عند تنفيذ حكم الإعدام في قاتل والده. 
خافت من الوحش الذي رعته منذ نعومة أظافره. فانقلب السحر على الساحر. 
ولذا اضطر شان تيسير وكل أفراد أسرته إلى الفرار من باكستان إلى كندا. حدث هذا بعد مقتل ابيه. 

ليست زوبعة. ليست نكتة. 
بل تدخل في صميم مفهوم المواطنة الكاملة.
وقوانين ازدراء الأديان في باكستان تعري واقع غياب المواطنة وتوحش قوى التطرف الديني والإسلام السياسي فيها. 
ولأن القضية تعنينا جميعاً، أعود إلى باكستان في المقال المقبل. 
فعندما تتحول معايدة محبة ودعوى حقوقية بقدرة قادر إلى قضية تجديف تسيء إلى الله ورسوله، َحقَ لنا أن نتمهل قليلاً في تفحص الوضع في باكستان والسرطان المتفشي فيها. 

د. إلهام مانع

"اليأس خيانة"

 

“اليأس خيانة". جملة على يافطة حملها ناشط في الإسكندرية.
جملة حملتها في حناياي منذ قرأتها. قبس من نور، يضيء ظلاماً حالكاً يحيط بأوطاننا، بأنفسنا، بعقولنا، وبمقدرتها على التفكير. 
اليأس ترف لا نقدر عليه. 
إما أن نحيا أو ندفن أحياءا.
وأنا أُصرُ على الحياة. 
وأُأصرُ أكثر على التفكير، ولو كان الثمن التكفير. 
لأنه السبيل إلى تحكمنا بقدرنا. 
السبيل إلى الخلاص، ولو بعد قرون. 
صَمتُ دهراً. 
خرس قلمي.
سكت. 
غرق في الدموع والحزن. 
دماء، دمار، وإنسان أهُدرت كرامته وحقوقه. 
أليس من حقي أن أذوبَ قهرا؟
أليس من حقي أن أبكي؟
وأنعي اوطاننا نحرتها أيدينا؟

لكني إستفقت.
إاستفقت. 
تذكرت عبارة الشاب المصري، ويافطة يحملها وحده في منتصف الطريق. 
"اليأس خيانة". 

نخون أنفسنا وحق الأجيال من بعدنا لو يأسنا. لو توقفنا، وقلنا علام التعب والقرف. لا فائدة. 
"مافيش فايدة"؟ 

بل هناك أمل. بصيص. قبس من نور. أراه في تلك العبارة. 
أراه في شعلة الحياة في شبابنا وشاباتنا.
أراه في الخير الكامن فينا. 
في عقولنا التي تسأل ولا تكف عن السؤال رغم الخوف. 
في اذرعنا نشمرها ونحن نبحث عن سبيل يساعد من هو غارق في الدماء.
وفي أقلامنا نغرسها في عقولنا ندون بها كلماتنا، رغم السيوف المعلقة على رؤوسنا. 

ولذا قررت ان أتوب عن جريمتي. عن الصمت الذي خنقني هذا العام. 
إغتسلت بكلماتي، 
وخرجت من رماد الحروف كالعنقاء، أنبض بالحب حياة.

أودع عام 2016 بعبارة: وداعا، عساك لا تعود علينا من جديد.
كنت كالكابوس حط علينا وترك وراءه إرثا من دمار. 
دخلت في تاريخنا ـ علامة مظلمة اخرجت الوحوش الرابضة فينا، عرَّت الكثير من الأشخاص، وأكدت ما رددته الف مرة: الإثنان يأتيان معاً، الإصلاح الديني والإصلاح السياسي. 
الإثنان يأتيان معاً. 

لا مفر من الإصلاح. سنحققه يوماً، وأن رُجمنا بالحجارة دهرا.

وارحب بالعام القادم 2017، بتعب معجون بالأمل. 

لأن اليأس ترف، لا نقدر عليه. 
لأن اليأس جريمة.
ننتحر لو يأسنا. 
إما أن نحيا أو ندفن أحياءا. 

وأنا أريد أحيا. 
ومن يعرفني، يعرف ايضاً أني اتنفس بالقلم. حريتي اعبر عنها في كلماتي.
ولذا أقول لمن ينتظرني، اني سأعود. سأعود إلى القلم، اتنفس به من جديد، كل يوم جمعة، مقال جديد. مقال افكر فيه معكم/ن بصوت عالي. وتحديدا عن الإصلاح الديني.
أنشره على صفحات الحوار المتمدن، مصر المدنية، وموقعي الجديد http://www.elham-manea.com
موعدنا إذن مع الأمل.
كل عام وأنتن وأنتم بخير.

د. إلهام مانع

صلينا للرحمن… هذا كل ما فعلناه

ما الذي فعلناه؟ 
أسألكن وأسالكم ووالله اني حائرة. 
كل هذا الغضب. كل هذه الشتائم. كل هذه التهديدات. وكل هذه الالفاظ الجارحة؟
ما الذي فعلناه؟ 
أسألكما؟ 
ووالله اني أسألكما وانا احبكما.  
احبكما حتى وأنتما تلعناني. 
لأني ادري أن ردة فعلكما ينبع منها الخوف على ديننا. 
تعتقدان أننا نريد أن نؤذي ديننا. 
وهو ديننا، ديننا كما هو دينكما. 
ولذا اسألكما أن تستمعا إلي. 
دون خوف. 
دون تشكيك في نيتي. 
فالحب دافعي. 
الحب لكما والحب لديننا. 


صلينا لله عز وجل. 
سجدنا للرحمن. 
وكنا خاشعات وخاشعين.  
وكنا مؤمنين ومؤمنات. 

هذا كل ما فعلناه. 

وإستمعنا إلى صوت موسيقى عود روحانية. 
عزفها موسيقار ليس جزء من المبادرة. هذا مهم أن تعرفوه كي لا يتعرض إلى أي اذى لمجرد وجوده في تلك القاعة.

موسيقى عود.
موسيقى روحانية. 
فيها شجن، فيها توق إلى الرحمن.  
جعلتنا نحلق مع الرحمن في المحبة. 
محبته. 

هذا كل ما فعلناه. 

صلينا معا. 
إنسان مع إنسان. 
أمام الرحمن. 
رب المساواة. 
رب المحبة. 

وامتنا إمراة. 
إنسان. 
إنسان لا عورة. 

وفعلنا ذلك في قاعة في بيت الأديان.
فعلنا ذلك في قاعة في بيت الأديان للحوار بين الثقافات. 

وإلى أن نبني مسجدنا سنصلي في تلك القاعة. 

وفعلنا ذلك ضمن إطار مبادرة مسجد للجميع. 
مبادرة بدأت تتسع وتنتشر لأن جوهرها إنساني. 
لأن كل ما نطالب به أن نصلي داخل المسجد مع الرجال أمام الرحمن. كل ما نطالب به ان تجد المرأة حيزها في المسجد في نفس المكان الذي يصلي فيه الرجل. 

كنا نفعل ذلك في السبعينات في إندونيسا وماليزيا ومالي وسويسرا. 
كنا نصلي معا.
لكن موجه التطرف الديني التي هبت علينا من وسط نجد قضت على ممارساتنا الدينية ودور الموسيقى فيها. 
تطرف يقول لنا إن المرأة ليست إنسان. بل عورة. بضاعة متعة. يصح الزواج بها وهي في التاسعة. 
تطرف يقول لنا إن الموسيقي، إرثنا الحضاري، العود، والروحانية التي فيه، هي رجس من عمل الشيطان. 
تطرف يقول لنا أن نكره. أن نقصي. أن لانقبل بالتعددية في الإيمان. 
تطرف جعل من رؤية الفقهاء التي تعود إلى زمنٍ غير زماننا، جعلها أصنام نعبدها بدلا من الرحمن. 

رؤية الفقهاء تحولت إلى صنم. وأنا لااعبد الاصنام. 
رؤية الفقهاء تحولت إلى صنم. وأنا اعبد الرحمن. 

اعبد الرحمن. 
أصلي له. 
وانا خاشعة. 

نحن لا نريد أن نقُصي. 
ونحترم كل الطرق المؤدية إلى الرحمن. 
ونحترم المساجد الموجودة في مجتمعاتنا. 
كل ما نطالب به، أن تقبلوا ان لنا أيضاً حق في المسجد الذي نسعى إلى بنائه. 
أن نكون ايضاً جزء من الحيز العام داخل المسجد. 

المسجد الذي لانرى فيه إمرأة هو مرآة لمجتمع يتحكم فيه الرجل. يُقصي فيه المرأة. 
ونحن نبحث عن مسجد يحترم إنسانيتنا. 
ولأن التغيير لايحدث من تلقاء نفسه، كان من الضروري أن نطالب به، كي نحيله واقعاً. 

ما الذي فعلناه حتى تخرجوننا من ملة الرحمن؟ 
صلينا لله عز وجل. 
سجدنا للرحمن. 
وكنا خاشعات وخاشعين.  
وكنا مؤمنين ومؤمنات. 

هذا كل ما فعلناه. 

  • 1
  • 2

Follow Elham Manea on Facebook

Last Tweets

Read more

RT @UN: Respect for #HumanRights is at the heart of development & peace. Without it, we can't achieve #GlobalGoals. On Sunday's #HumanRigh…

Read more

RT @JohannesBormann: Whoever excuses violence against Jews by pointing to the Middle East is adopting conspiracy theories making Jews colle…

Read more